لماذا لم تنتهِ الأزمة برفع سعر دولار الدواء وإزاحة مديرة الإمدادات؟

You are currently viewing لماذا لم تنتهِ الأزمة برفع سعر دولار الدواء وإزاحة مديرة الإمدادات؟
  • Post published:10 ديسمبر، 2020
  • Post category:اقتصاد

الخرطوم – أحمد الشريف
الثامن من نوفمبر 2020 يوم مهم جدًا في تاريخ أزمة الدواء السودانية، فبالإضافة للخطابين ذوَيْ المحتوى المثير للقلق عن حقيقة الوضع الدوائي، اللذين بعثت بهما إدارة الإمدادات الطبية، والإعلان الذي أصدرته إدارة مستشفى كوستي بتعليق إجراء العمليات المجدولة والاكتفاء بعمليات الطوارئ، في نفس هذا اليوم قام مجموعة من الناشطين بإعداد تقرير مصور من منطقة “شارع الهوا” حول تكدس عدد من الشاحنات التي تحمل أدوية تخص الصندوق القومي للإمدادات الطبية، استغرق الأمر بضعة أيام لينتشر الفيديو بصورة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، ويتحول إلى قضية رأي عام مرتبطة بأزمة الإمداد الدوائي وبسلامة نقل وتخزين الأدوية في الثاني عشر من نوفمبر. وفي اليوم نفسه قام عمر مانيس وزير شؤون مجلس الوزراء بزيارة مفاجئة للإمدادات الطبية، وقبل نهاية اليوم أسدلت الحكومة الستار على قضية اليوم الواحد بمنشور على صفحة مكتب رئيس الوزراء بموقع فيسبوك، أعلنت فيه صدور قرار إقالة مديرة الإمدادات الطبية.

خطاب عن الوضع الحرج الإمداد الدوائي بتاريخ ١ نوفمبر

في يوم 12 نوفمبر 2020، بعد انتشار فيديو قام بتصويره مجموعة من الناشطين يظهر تكدس حاويات تخص الإمدادات الطبية في منطقة “شارع الهوا” جنوبي الخرطوم. ظهر في الفيديو مجموعة من الأشخاص الذين تم تعريفهم كسائقي الشاحنات يشتكون من طول فترة انتظارهم قبل تفريغ حمولاتهم من الأدوية. التعليقات على الفيديو تطورت إلى اتهام إدارة الإمدادات بتعمد التسبب في أزمة الدواء، ومطالبات بإقالة المديرة، وهو ما تم في مساء نفس اليوم، بعد زيارة مفاجئة للوزير مانيس.
سائقو الشاحنات قال أحدهم إنهم منتظرون لفترة ما بين 11 إلى 20 يوماً، وإنهم قابلوا مدير الإمدادات الطبية الذي تنصل عن كل مسؤولية تجاههم، وانحصرت شكواهم في معاناتهم جراء الانتظار والمخاطر المرتبطة به، الإضافة إلى خطر الوقوف تحت الشمس على سلامة الدواء، كما تطرقوا لأزمة الدواء باعتبار مثل هذا التأخير أحد أسبابها.

 

في مساء نفس يوم انتشار الفيديو وتحوله لقضية رأي عام، أصدرت إدارة الإمدادات الطبية تصريحًا صحفيًا، أكدت فيه أن العمل على تفريغ الشاحنات يتم بالطاقة القصوى، مرجعة السبب في تكدس الشاحنات إلى وصول كمية كبيرة جدًا من المحاليل الوريدية بعد تغيير الشركة الموردة الأصلية، التي توقفت عن التزويد لعدم سداد مديونيتها، واضطرار الصندوق للتعاقد مع مورد جديد، كما قالت إدارة الصندوق في بيانها إنها ظلت تتابع ما ينتشر من شائعات حول المؤسسة، في إشارة لصورة تم تداولها قبل أسبوع من ظهور الفيديو، وتظهر سيارة تابعة لصندوق الإمدادات الطبية تقوم بتفريغ حمولة من الفحم.

خطاب لوزير الصحة عن الوفرة الدوائية ٨ نوفمبر

الوثائق التي تحصلت عليها الصحيفة تظهر أن حمولة الشاحنات كانت من المحاليل الوريدية، وهي آخر دفعة متوقع وصولها للبلاد، بعد توقف الشركات المتعاقدة عن التسديد لعدم سداد مديونياتها. وكشفت لجنة التحقيق التي شكلتها الإمدادات الطبية أن سبب تأخر تفريغ الشاحنات هو كثافة الوارد من المحاليل، بسبب تغيير المورد الرئيسي بعد توقفه عن التزويد، وأن مساحة واسعة من السعة التخزينية للإمدادات تشغلها مخزونات منح ومساعدات تخص وزارة الصحة، واضطرار إدارة المخازن للتعاقد لتأجير مخازن جديدة، واستغرق تفريغ الحاويات منذ وصولها لميناء بورتسودان حتى مخازن الإمدادات ستة أيام، كحد أقصى، تم تفريغ 200 حاوية منها في يوم الوصول كحد أدنى، ولم يكشف التحقيق عن أي مؤامرة لتعمد تأخير التفريغ، ولا عن تقصير في التفريغ عن المتوسط التقليدي لعملية التفريغ، التي تمت بما يتجاوز الطاقة القصوى.

بعد تداول الفيديو، قام وزير شؤون مجلس الوزراء، عمر مانيس، بزيارة للإمدادات الطبية، تفقد خلالها العمل والإشكالات التي تواجه الصندوق في توفير الأدوية، ثم طالب بتحديد الأولويات في توفير الأصناف المنقذة للحياة، وأخيرًا أبدى أسفه بخصوص طريقة تفريغ وتخزين الأدوية.

الوثائق التي تنشرها الصحيفة تعكس أن الوزير مانيس لم يكن بحاجة لأكثر من الاطلاع على السلسلة الطويلة من الخطابات الأسبوعية، التي تبعثها إدارة الإمدادات الطبية لحكومته عبر وزارتي الصحة والمالية، التي تحدد فيها موقف الإمداد الدوائي، ووضع الأدوية المنقذة للحياة. وتنشر الصحيفة خطابًا معنونًا للوزير مانيس نفسه من وزير الصحة المكلف د.أسامة عبدالرحيم، بتاريخ 28 أكتوبر– أي قبل أسبوعين من زيارته- قال فيه إن البلاد توشك على الدخول في كارثة صحية.

وزير الصحة يطالب إدارة الإمدادات بتوفير أدوية بعد اخطاره بنفادها

في الأثناء تكشف الوثائق التي تعرضها (الحداثة) عن طريقة تعامل وزيرة المالية المكلفة، هبة محمد علي، مع أزمة الدواء. في الحقيقة تكشف الخطابات عن طريقة “عدم تعاملها” مع أزمة الدواء، حيث ظلت الوزيرة تتلقى خطابات تحت وسم “هام وعاجل”، مكتوب فيها بخط أحمر عريض، أن البلاد تواجه كارثة دوائية، دون أي استجابة منها، ودون أن يلوح في الأفق أي مسعى لتحرك جاد بخصوص الأدوية. وطيلة فترة تجاهل الحكومة لخطابات الاستغاثة الصادرة عن الصندوق القومي للإمدادات الطبية، لم تتوقف الحكومة والوزيرة هبة شخصيًا عن إصدار التصريحات عن الالتزام بدعم الدواء! آخرها كان قبل زيارة مانيس بثلاثة أسابيع، في زيارة الوزيرة لجبل عامر، حيث تعهدت بمعالجة حاسمة للأزمة. وزيرة المالية كانت تطالب إدارة الصندوق القومي للإمدادات في الاجتماعات بخصوص أزمة الدواء بالمساهمة من مواردها الذاتية في توفير رواتب العاملين بالدولة، كما أكدت مصادر من وزارة الصحة والصندوق القومي للإمدادات الطبية.

لم تظهر الوثائق أي استجابة رسمية لمطالبات إدارة الإمدادات الطبية، بتوفير العملة الأجنبية لاستيراد الدواء، لا من الوزير مانيس، ولا وزارة المالية ولا الصحة، لكن هناك جهات حكومية أبدت بعض الاستجابة للإسهام في حل الأزمة. على سبيل المثال حسن محمد تبن، المسؤول الرفيع بمجلس إدارة البنك المركزي، الذي لم يتردد في إرسال خطاب إلى إدارة الإمدادات الطبية يعرض عليه فيه صراحة توفير النقد الأجنبي اللازم لاستيراد الأدوية المنقذة للحياة، “إذا تمكن الصندوق من توفير المقابل المحلي للمبلغ المطلوب”، أي بسعر السوق الأسود، بمعنى شرعنة البنك المركزي للسوق الموازية للعملات، والتحرير التام للأدوية.

مبادرة بنك السودان هذه تأتي متوافقة مع توجهات وزير الصحة المكلف، أسامة عبدالرحيم، الذي أعلن في غير مناسبة، أن سياسته تعطي الأولوية لوفرة الدواء وليس إتاحته بسعر معقول للمواطنين. وهي السياسة التي ظلت تعارضها إدارة الإمدادات الطبية التي وافقت ــ على مضض ــ على تعديل سعر دولار الدواء من 18 إلى 55 جنيهاً.

تعليقات ختامية

مباشرة بعد إقالة مديرة الإمدادات الطبية، د.عفاف شاكر النحاس، اتخذت الحكومة، لأول مرة منذ عام كامل، خطوة لمخاطبة أزمة الدواء، تتمثل في التزامها بسداد فرق سعر صرف العملة للأدوية المستوردة بواسطة القطاع الخاص، لكن بناءً على القيمة التي أعلنت وزارة المالية الالتزام بتسديدها يكون سعر دولار الدواء قد انتقل من 55 جنيهاً 120 جنيهًا، وهو ما ظلت تعارضه إدارة صندوق الإمدادات السابقة.

أيضًا تمت إعادة كل من أبعدتهم الإدارة السابقة للصندوق من عناصر النظام البائد إلى مواقعهم، وترقية بعضهم فور تولي المدير المكلف لمهام منصبه، بعد عملية تسليم وتسلم تأخرت لعشرة أيام، في انتظار إصدار خطاب إقالة رسمي للمديرة السابقة، التي أعلنت الحكومة إقالتها عبر منشور على موقع فيسبوك، دون إصدار خطاب رسمي.

صورة سيارة الإمدادات الطبية التي تقوم بتفريغ الفحم، أظهر بحث أجرته الصحيفة، عبر موقع قوقل للصور، أن أول ظهور لها على الإنترنت كان في يونيو من العام الماضي، إبان الصراع ضد الوزير أكرم التوم. بينما أكد مصدر من إدارة إعلام الإمدادات أن الصورة يعود تاريخها للعام 2016. كما تظهر الوثائق فإن معظم ادعاءات سائقي الشاحنات بخصوص المدة التي قضوها، وعدد الشاحنات، غير دقيقة.
استجابة الوزير مانيس للأزمة بعد تداول الفيديو تعتبر أسرع استجابة تقوم بها الحكومة لقضية رأي عام، مقارنة مع قضايا كانت نشطة في ذات الفترة، مثل قضايا الاعتصامات وشهداء منطقة الجريف، ومقارنة بأزمة الدواء التي ارتفعت الشكوى بخصوصها من قطاعات المواطنين والأجسام الصيدلانية.

ترجح الوثائق والمعلومات التي تحصلت عليها الصحيفة، أن قضية الشاحنات وتصريحات الوزير مانيس، ثم إقالة مديرة الإمدادات الطبية، تأتي في إطار صراع سياسي ميدانه الخدمة المدنية بين توجهين سياسيين واقتصاديين، بخصوص رفع أو الإبقاء على دعم الأدوية والعلاقة مع عناصر النظام البائد. وانتهى الصراع برفع سعر دولار الدواء بعد إزاحة مديرة الإمدادات الطبية التي ظلت تمثل عقبة أمام هذا التوجه.
خدمة بالاتفاق مع صحيفة الحداثة